ابن الجوزي
11
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أيوب على أبي جعفر فقال : هذا الرجل يدخل العشيّة ، فما تريد أن تصنع ؟ قال : أريد أن أقتله حين انظر إليه . فقال : إن دخل عليك ولم تخرج [ 1 ] لم آمن البلاء ، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف ، فإذا غدا عليك رأيت رأيك . فلما دخل عليه سلَّم وقام قائما على قدميه بين يديه . فقال : انصرف يا عبد الرحمن فأرح نفسك ، وادخل الحمام ، فإن للسفر قشفا ، ثم أغد عليّ . فانصرف ، ثم ندم أبو جعفر ، وافترى على أبي أيوب وقال : متى أقدر على هذه الحال ولا أدري ما يحدث في ليلتي ! . فلما أصبحوا جاء أبو أيوب فقال له أبو جعفر : يا ابن اللخناء ، لا مرحبا بك ، أنت منعتني منه أمس ، والله ما غمضت عيني الليلة . ثم شتمه حتى خاف أن يأمر بقتله . ثم قال : ادع لي عثمان بن نهيك . فدعاه فقال : يا عثمان ، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما أنا عبدك ، والله لو أمرتني أن أتّكىء على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت . قال : كيف أنت إن أمرتك بقتل / أبي مسلم - فوجم ساعة لا 6 / ب يتكلم . فقال له أبو أيوب : مالك لا تتكلم ؟ فقال بصوت ضعيف : أقتله . قال : انطلق فجيء بأربعة من وجوه الحرس أقوياء ، فمضى ، فلما كان عند الرواق ناداه : يا عثمان يا عثمان ، ارجع واجلس وأرسل من تثق به من الحرس فليحضر منهم أربعة . فلما حضروا قال لهم أبو جعفر نحوا مما قال لعثمان ، فقالوا : نقتله . قال : كونوا خلف الرواق . فإذا صفّقت فأخرجوا فاقتلوه [ 2 ] . فأرسل إلى أبي مسلم رسلا بعضهم على أثر بعض ، فقالوا : قد ركب إلى عيسى بن موسى . فدعا له عيسى بالغداء ، ثم خرج إلى أبي جعفر وأبو نصر حاجبه بين يديه وحربته معه ، فلما قربا من الباب خرج سلام الحاجب فقال : انزل . فنزل فدخل الدهليز وأغلق الباب دونه ، فقال أبو مسلم : يدخل خاصة أصحابي ، فقال له الربيع : لم نؤمر بذلك . فنزع سيفه من وسطه وقال : الآن عرف الرامي موضع سهمه - وهو مثل يضرب لمن أمكن عدوه من نفسه - فلما بصر بالمنصور انحرف إلى القبلة ، فخر ساجدا ، ثم دنا ليقبل أطرافه ، فقال له : وراءك يا ابن اللخناء . فنصب له كرسي فقعد فقال له أبو
--> [ 1 ] في الأصل : « ولم أخرج » وما أثبتناه من الأصل . [ 2 ] انظر : تاريخ الطبري 7 / 488 .